السيد الطباطبائي
125
مجموعة رسائل العلامة الطباطبائي
فاختيار الإنسان لأحد الجانبين بعد تمام سائر الأسباب بالعلم ، وتعيّن أحد الجانبين فيها بغيره من المقتضيات المعيّنة ، والعلم من حيث هو ذو هذا الأثر أحد تلك المقتضيات ، وأي فرق بين مبدء الإحراق الذي في النار ، وبين مبدأ الفعل الذي في الإنسان ، وهو الإرادة التامّة ، وأي فرق بين الحطب الذي يحرق بعد اشتعاله بالنار - مثلا - وبين الإنسان الذي يضحك بالإرادة ، ومع ذلك لا يبطل نسبة الإنسان إلى الفعل والترك بإمكانهما له وصحّتهما ، وهو الملاك في صحّة التكليف وترتّب الجزاء بالثواب والعقاب ، وهذا في غاية الوضوح ، ولهذا لم نطلب في هذا الباب أكثر من هذا المقدار . واعلم أنّ هناك نظرا آخر يرتفع به موضوع هذه الأبحاث والمشاجرات ، وهو نظر التوحيد الذي مرّ في هذه الرسائل ، فالأفعال كلّها له ، كما أنّ الأسماء والذوات له سبحانه ، فلا فعل يملكه فاعل غيره سبحانه حتّى يتحقّق موضوع لجبر أو تفويض ، فافهم . الفصل الثامن [ الأخبار الدالّة على ما هو الحقّ في المسألة ] والنقل أيضا يدلّ على ما مرّ ، فقد روي عنهم عليهم السّلام : « لا جبر ولا تفويض ، بل أمر بين أمرين » ، وهذا اللفظ وارد عنهم على حدّ الاستفاضة بطرق كثيرة « 1 » . وفي التوحيد : مسندا عن يونس ، عن غير واحد ، عن أبي جعفر وأبي عبد اللّه عليهما السّلام ،
--> ( 1 ) الكافي : 1 : 90 ، كتاب التوحيد ، باب الجبر والقدر والأمر بين الأمرين ، الحديث 13 . عيون أخبار الرضا : 1 : 114 ، باب ما جاء عن الرضا عليه السّلام من الأخبار في التوحيد ، الحديث 17 . التوحيد : 352 ، باب نفي الجبر والتفويض ، الحديث 8 .